1- ا�,,إحسا�+ ف�? عبادة ا�,,خا�,,�,
2- ا�,,إحسا�+ إ�,,�? ا�,,�...خ�,,�^�,
مقدمة:
مبدأٌ مِن مبادئ الإسلام العظيمة، وخُلقٌ مِن أخلاقه الكريمة، وأصلٌ مِن أصول العلاقات الاجتماعيّة، فيه إتقان العمل، وبسببه يكون البُعد عن الزّلل، وبه يصلح المجتمع، وتنهض الأمّة، وتُقبل الأعمال، وينال العبد القرب مِن مولاه ذي العزّة والجلال، إنّه مقام الإحسان، قال العسكريّ رحمه الله: "الإحسان: ضدّ الإساءة، وهو مصدر أحسن، أي: جاء بفعلٍ حسنٍ".
ولقد خلق الله جل جلاله عباده ليختبرهم في إتقان العمل {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2].
وجاء الأمر به في القرآن الكريم {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النّحل: 90].
قال السّعدي رحمه الله: "الإحسان فضيلةٌ مستحبّةٌ، وذلك كنفع النّاس بالمال، والبدن، والعلم، وغير ذلك مِن أنواع النّفع، حتى إنّه يدخل في الإحسان إلى الحيوان البهيم المأكول وغيره".
ولقد أرشدنا سبحانه إلى مصارف الإحسان: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النّساء: 36].
وللإحسان ضدّان: الإساءة: وهي أعظم جُرمًا، وترك الإحسان بدون إساءةٍ وهذا أمرٌ محرّمٌ، لكنّه أخفّ مِن الأوّل، ثمّ أمر عز وجل بالإحسان إلى النّاس عمومًا {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83].
ومِن القول الحسن: أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وبذل السّلام، والبشاشة، وكلّ كلامٍ طيّبٍ، وأُمرنا بأن نختار أطيبه {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53].
قال الشّوكاني رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}، "أي: أحسنْ إلى عباد الله، كما أحسن الله جل جلاله إليك بما أنعم به عليك مِن نِعمَ الدّنيا".
فكيف يكون الإحسان؟ وما صوره؟
1- الإحسان في عبادة الخالق
لقد سأل الرّوحُ الأمينُ، خاتمَ الأنبياء والمرسلين، عن مراتب الدِّين، فبيّن أنّ الإحسان أعلاها وأكملها، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ... وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ...).
ولقد أخبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ المحسنين في الإحسان على درجتين متفاوتتين، فأمّا الدّرجة الأولى: فهي أن يصل العبد إلى مرتبةٍ عاليةٍ وكأنّه يرى الله عز وجل، فيعبده عبادة رغبةٍ وطمعٍ، وأمّا الدّرجة الثّانية: فهي شعورٌ بمراقبة الله جل جلاله، وتكون عبادته هنا عبادة خوفٍ وخشيةٍ، فمَن عرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته معرفةً صادقةً، وترقّى في مدارج الكمال، صار كأنّه قد رُفع الحجاب بينه وبين ربّه، فأصبح يتنعّم بالنّظر إليه، لا يرتضي بذلك بدلًا، ولا يبغي عنه حولًا، وعندئذٍ يمتلئ قلبه بتعظيمه ومحبّته، وينشرح صدره بالخضوع له، والانقياد لطاعته، فيستحقّ الأجر العظيم مِن الرّبّ الكريم {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112].
وقد كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يسأل مولاه حُسْنَ العبادة، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه، قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: (إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ)، فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحَسَنِ عِبَادَتِكَ).
وعلّم أمّته الإحسان -حتّى- في صلاة النّافلة، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ...).
وجاء الأمر بالإحسان في الصّدقة النّافلة والمستحبّة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267].
وكذلك الإحسان في الصّيام، بأن يحفظ الصّائم جوارحه عن المحرّمات، وفي الحج أيضًا {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197].
فمَن أحسن فيه كان ذنبه مغفورًا، وسعيه مشكورًا.
2- الإحسان إلى المخلوق
إنّ مِن العدل والإنصاف أن يؤدّي المسلم ما عليه مِن الواجبات، كبرّ الوالدين، وصلة الأرحام، وحقوق الجار، والإنصاف في جميع المعاملات، ثم يأخذ مَا لَه وافيًا، وأحقّ النّاس بعد الخالق المنعم المتفضّل بالشّكر والإحسان مَن قرن الله عز وجل الإحسان إليهما بعبادته وطاعته، وشكرهما بشكره، وهما: الوالدان {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14].
فوجب الإحسان إليهما، لأنّ حقّهما هو أجلّ الحقوق وأعظمها بعد حقّ الله جل جلاله، فإذا كان الله هو الخالق الحقيقيّ للأولاد، فإنّ الوالدين هما مصدر هذا الخلق وسببه المباشر، وقد بذلا مِن التّضحية والجهود مِن أجل تربية أولادهم، ما يستحقّان المكافأة عليه والبرّ والإحسان {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23].
فالوالدان لهما دَيْنٌ لا يمكن سداده، مهما بالغْتَ في إكرامهما، ورعاية جانبهما، فكان الإحسان إليها واجبًا عليك بأن تطيعهما، وتحترمهما، وتتولّى خدمتهما إذا ضعفا، وأن تلازمهما في المرض، كما حثّ الإسلام على الإحسان إلى الجار، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ).
وذلك بزيارته، وإكرامه، ومدّ يدّ المساعدة إليه، وإشراكه في سرّائه وضرّائه، وأن تكون الحارس الأمين على بيته وعرضه في غيبته، وأن تعوده إذا مرض، وتعينه إذا احتاج، وتنصره إذا ظُلِم، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ).
فجارك في الحقيقة هو أخوك إذا لم يكن لك أخٌ، وصديقك إذا لم يكن لك صديقٌ، ونصيرك في الشّدائد والمحن، ومصدرٌ مِن مصادر سعادتك، ثمّ تتوسّع دائرة الإحسان لتشمل اليتيم والمسكين ونحوهما، والإحسان إلى مَن أساء إليك بقولٍ أو فعلٍ {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصّلت: 34].
وكلّ مَن كانت طريقته الإحسان، أحسن الله جل جلاله جزاءه {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرّحمن: 60].
خاتمةٌ:
ما أجمل الإحسان عندما يكون سببًا في تماسك المجتمع وتقدّمه، ووقايته مِن الآفات الاجتماعيّة، وتوثيق الرّوابط، فيجعل العبد محاطًا بمعية الله سبحانه {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
فيحظى بوسام الحبّ، والقرب مِن الرّبّ {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 145].
وإنّ مقام الإحسان يحول بين العبد وبين إرادة المعصية، فضلًا عن ارتكابها، وبذلك ينشرح صدره، وتزكو نفسه، فيسعد في حياته، ويوم لقاء ربّه، ولقد جعله الله جل جلاله شاملًا لكلّ المخلوقات، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ).
وقد أدخل الله عز وجل رجلًا الجنّة بعملٍ صغيرٍ مِن أعمال الإحسان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ).
فليحسنْ كلٌّ منّا فيما وكّله الله عليه، وكلّفه به، فإنّنا غدًا بين يدي ربّنا موقوفون، ومحاسَبون مسؤولون، والكيّس الفَطِن مَن تمثّل الإحسان إلى الخلق أجمعين، فسعد في الدّنيا، وفاز يوم الدِّين.