مقدمة:
ها نحن قد ودّعنا شهر الصّيام والقيام، شهر القرآن والإحسان، بقلوبٍ يملؤها الحزن، ويعتصرها الألم، ونحن إذ ودّعناه أودعنا فيه طاعاتنا لنجد ثوابها يوم لقاء ربّنا {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30].
فالأيّام خزائن الأعمال، ومراحل الآجال، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ عز وجل أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ).
فالمسلم مأمورٌ بدوام الاتّصال بربّه، لا ينفكّ عنه بمجرّد ذهاب شعيرة أدّاها {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].
بل يقبل على ربّه في كلّ الأزمنة والأمكنة {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشّرح: 7-8].
وإنّ العبد ليرتفع بالعمل الصّالح إلى الملأ الأعلى، ويسمو به عن دنايا الدّنيا، فيلزم أوامر الإسلام على الدّوام، فهو مأمورٌ بالصّلاة المفروضة يكرّرها مرّاتٍ كلّ يومٍ وليلةٍ، ويعود له الصّيام كلّ عامٍ، ومثل ذلك يقال في الزّكاة والاستغفار وقراءة القرآن وسائر الأذكار وبرّ الوالدين وصلة الأرحام وغير ذلك ممّا يكثر عدّه، بل يُستحبّ للعبد أن يستمرّ في النّوافل ولا يقطعها، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ".
كما يُشرع قضاء الأذكار إن نام المسلم عنها، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ).
فهنيئًا لمن قُبل عمله في رمضان، ودام اتّصاله بالرّحمن، واتّعظ بمرور الأيّام، وخالف نفسه والشّيطان.
تمرّ بنا الأيّام تترى وإنّما نُساق إلى الآجال والعين تنظر
فلا عائدٌ ذاك الشّباب الذي مضى ولا زائلٌ هذا المشيب المكدّر
1- استمرار العمل، حتَّى حضور الأجل
لكلّ أجلٍ كتابٌ، ولكلّ بدايةٍ نهايةٌ، ومهما طال عمر الإنسان فإنّه مفارقٌ هذه الدّنيا لا محالة، والمغبوط مَن طال عمره وحسن عمله، والمغبون مَن طال عمره وساء عمله، ومَن أدرك حقيقة الآخرة، فرح أشدّ الفرح إذا أدرك زمنًا فاضلًا يؤدّي فيه فريضةً مِن فرائض الله، فإذا انقضى ذلك الزّمن انتظر زمنًا فاضلًا غيره ليغتنمه بما يقرّبه إلى مولاه، ليعلن له الرّبّ العليّ، بالحبّ الجليّ، وأيّ شرفٍ أعظم مِن هذا؟! عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ).
ومَن نال درجة الحبّ فاز بمقام القرب، عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لِبِلالٍ عِنْدَ صَلاةِ الفَجْرِ: (يا بِلالُ، حدِّثني بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ)، قالَ: ما عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا، فِي ساعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهارٍ، إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ ما كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ.
ولقد ذكر الله سبحانه و تعالى مِن أسباب دخول الجنّة المحافظة على الصّلاة {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} [المعارج: 34-35].
ومَن حفظ أوامر الله في الرّخاء، حفّته عناية الله جل جلاله في الشّدة والبلاء، ثمّ إنّ العمل الصّالح سببٌ لتهذيب النّفس، وسموّها على الشّهوات، ومنعها مِن المنكرات {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45].
فهي تنير قلبه، وتزيد إيمانه حتّى يُختم له به {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27].
ثمّ يُبعث عليه يوم الدّين، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ).
وإنّ مِن عظيم كرم الله أنّه يكتب للعبد أجر العمل إذا حال بينه وبينه عذرٌ وكأنّه قد عمله، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى مِرَارًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا).
ففي هذا تنبيهٌ للعقول الشّاردة، وإيقاظٌ للقلوب الغافلة، يقود العبد إلى العمل للدّار الآخرة.
2- وسائل الاستمرار على الأعمال
إنّ ضمان بقاء العبد على العمل الصّالح يحتاج قوّةً قلبيّةً، وقوّةً جسديّةً، قوّةً في إيمانه، وقوّةً في أعضائه، وفي التّوبة والاستغفار تحصيل ذلك، فقد قال سبحانه و تعالى حكايةً عن هودٍ لقومه: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52].
واختيار المناسب مِن الأعمال الصّالحة أدعى للاستمرار عليها، فإنّ الأعمال الصّالحة كثيرةٌ ومتنوّعةٌ، ولذا كان مِن السّلف الصّالح مَن اشتهر بطول القيام، وآخر بكثرة التّسبيح، وثالث بقضاء حوائج النّاس، وهكذا، وليس معنى هذا أن يلزم العبد عملًا ويترك الأعمال الأخرى، لكنّه يُكثر ممّا يرى أنّه أنشط فيه، وأكثر استمرارًا، ولا يُثقل على نفسه، لأنّ النّفس بطبيعتها سريعة الملل، فلو أثقل عليها ربّما أدّى ذلك إلى قطع العمل بالكلّيّة، عن أَبِي سَلَمَةَ رضي الله عنه: أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها حَدَّثَتْهُ، قالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبانَ، فَإِنَّهُ كانَ يَصُومُ شَعْبانَ كُلَّهُ، وَكانَ يَقُولُ: (خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ ما تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا)، وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ما دُوْوِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّتْ، وَكانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً داوَمَ عَلَيْها.
كما أنّ الصّحبة الصّالحة تعينك على طاعة الله وتقواه، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا).
وينشط العبد على العمل الصّالح بمطالعة أخبار الصّالحين، ممّن كانوا يتحمّلون أعمالًا صالحةً وربّما شاقّةً، ولا يدعونها في أحلك الظّروف، قدوتهم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} إِلَى آخِرِهَا، مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى صَلَاةً إِلَاّ قَالَ: (سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي).
فاقتدى به أصحابه الكرام، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَسْأَلُهُ خَادِمًا، فَقَالَ: (أَلَا أُخْبِرُكِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْهُ؟ تُسَبِّحِينَ اللَّهَ عِنْدَ مَنَامِكِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتُكَبِّرِينَ اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ)، ثُمَّ قَالَ سُفْيَانُ رحمه الله: "إِحْدَاهُنَّ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ، فَمَا تَرَكْتُهَا بَعْدُ، قِيلَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ".
فلنستقمْ على صالح الأعمال، لنحظى بصحبة أولئك الرّجال.
خاتمةٌ:
إنّ مِن علامات قبول العمل في رمضان، الاستمرار عليه بعده، ومِن تمام شكر نعمة التّوفيق للحسنة الحسنة بعدها، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا).
ومِن المؤسف ما نرى مِن حال كثيرٍ مِن المسلمين، حيث يلازمون التّقوى في رمضان، ويتركون المعاصي والمنكرات، ويواظبون على حضور الجماعات، ولكن سرعان ما يتبدّل حالهم، ويعودون إلى سالف عهدهم، بمجرّد انقضاء شهر رمضان، وهذا يُنبئ عن انطماس البصيرة، واستحكام الغفلة {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النّحل: 92].
وكلّنا أملٌ بالله أن نكون ممّن حقّق في رمضان صفات المتّقين، فلنحمد الله على توفيقه، ولنسأله الثّبات على ذلك حتّى الممات، ولنحذر العُجب والغرور، فإنّه محبطٌ للعمل، بل نتواضع بين يدي العزيز الغفّار، بقلوبٍ ملؤها الخوف مِن ردّ الأعمال {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 60-61].
ولقد جاء النّهي عن ترك الاستمرار في الطّاعة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ رضي الله عنه، قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (يا عَبْدَ اللَّهِ، لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ؛ كانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيامَ اللَّيْلِ)
فلا يليق بمَن كان صائمًا قائمًا أن ينقض العهود والمواثيق، ويتّبع الشّيطان في كلّ طريقٍ، بل الواجب أن يمتثّل الخشية والإنابة، ويلزم الطّاعة، ويترك الغفلة، ويعود أحسن ممّا كان عليه قبل رمضان.
http://mail.shamkhotaba.org